عبد الملك الجويني
150
نهاية المطلب في دراية المذهب
أن توجد بعده . فجواز الرهن يخرّج على قولي رهن العبد المعلق عتقه بصفةٍ يجوز أن توجد قبل المحل ، ويجوز أن تستأخر . ومن أصحابنا من قال : يجوز رهن المدبر قولاً وَاحداً . وهذا هو القياس ؛ لأن التدبير إن كان وصية ، فالرهن جائز ، وإن كان عتقاً بصفة ، فهو محسوب من الثلث . وحق المرتهن من رأس المال ، فهو مقدَّم على ما يحسب من الثلث ، غاية ما يُقدّر ( 1 ) أن يموت من عليه الدين ، ولا يخلِّف إلا هذا العبدَ ، ولو كان كذلك وكان الدين مستغرِقاً لقيمته ، لصرفناه إلى الدين وأبطلنا العتق . وليس كذلك رهنُ المعلَّق عتقه بصفة توجد في حياة المعلِّق ؛ فإن ذلك العتق لو نفذ في حياة المعلِّق ، لكان مقدماً على الديون ، فلا تأكّدَ للعتق في التعليق ، وصار في حكم الاستحقاق ، والرهن تصرفٌ ضعيف منحط عن البيع ، اقتضى ذلك تجويزَ البيع ، ومنع الرهن . والعتق الذي يقدر حصوله في المدبر ضعيف ؛ من قبل انحصاره في الثلث ، فيقدم الدين عليه . وقال بعض أصحابنا : رهن المدبر باطل قولاً واحداً . وهذا هو الذي قطع به الشافعي ؛ إذ قال : " رهنه مفسوخ " والمراد بالمفسوخ الباطل . وهذا يعتاده الشافعي كثيراً . وهذا القائل يزعم أن التدبير ليس وصية محضة ، فلا يلزم تصحيحَ الرهن على قول الوصية . وهذه الطريقة وإن كانت توافق النص ، فليس ينقدح لي في توجيهها شيء . وكأن الشافعي يعتقد أن التدبير على حال عقدُ عتاقةٍ شرعي ، ولا يطابق هذا مذهبَه في جواز البيع ، وجواز الرجوع عن التدبير على الأصح ، والمدبر على الحقيقة عندنا عبدٌ قن ، فإذا مات السيد ، جعلنا عتقه محسوباً من محل الوصايا . وللشافعي في كتاب الصّداق كلام في أن المرأة إذا دبرت العبد المصْدقَ ، ثم طلقها زوجهاً ، فهل يرجع إلى نصف المدبر . فلعلنا نجد ثَمَّ بسطةً في الكلام . وقد انتهى غرضنا الآن والله أعلم .
--> ( 1 ) في ( ص ) ، ( ت 2 ) : يتوقع .